محمد غازي عرابي
632
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
قد تتطابق الإرادة الإلهية مع الإرادة الإنسانية وقد تخالفها صحيح أن الصوفية قالوا : إن الإرادة الإنسانية داخلة في نطاق الإرادة الإلهية ولكن يبقى للجزئي نظره وهواه ، إذ الجزئي محدود بنظره ذاك ، ولهذا قد يريد الجزئي شيئا لا يريده الكلي وقد يريده . . . وما دام الكون ظهور الكلي ومسرحا لفعله العام فإن من المستحيل تحقيق ما لا يريده الكلي ، فأنى توجهت الإرادة الجزئية فلا بد لها من أن تبقى داخل الإرادة الكلية ، وهذا هو سبب التعارض والخلاف الذي يقع بين الفرد عادة والآخرين والذي قد يؤدي إلى الصراع ، والتنازع ، فالحكم للكلي ، ولولا هذا القهر لذهب كل إنسان بما يريد ، ولتعارضت الإرادات وتصادمت وأدت بالتالي إلى فساد الأرض وخرابها ، قال سبحانه : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] . وثمة بطن آخر يشير إلى فعل اللّه في القلب وقهره إياه عن طريق الخواطر ، فالسماء في الآية سقف البيت ، والبيت إشارة إلى القلب لدى الصوفية ، والسبب الحبل ، وقطعه قطع الحبل ، والصورة تبين ما يقع في القلب إذ تغزوه الخواطر يمينا وشمالا ، ثم تتحقق إرادة اللّه فيه بتحقيق معنى اسم من أسمائه ، والاسم في الآية الناصر ، والنصر لنبيه محمد ، فالاسم هو سبيل تحقق كونه تعالى القاهر ، فلا مهرب للإنسان من اسمه وصفته ، ولهذا قال الإمام الغزالي الإنسان مجبور على الاختيار ، أو هو مجبور في عين اختياره ، وإن انجزام الإرادة بعد التردد بين الخواطر فعل اللّه فإن أراد الإنسان شيئا أم لم يرد فحكمه إلى قلبه ، والتردد واقع في العقل ، ولهذا كان القلب مستودع الروح هو الأصل ، وهو الغالب ، وهو القاهر . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 17 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 17 ) [ الحج : 17 ] الاختلاف بين الأديان والفرق والمذاهب حادث بالمشيئة الإلهية ، ولهذا ذكرنا من قبل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تنبأ بانشقاق أمته عن ثلاث وسبعين فرقة ، كما انشقت اليهود عن إحدى وسبعين ، والنصارى عن اثنتين وسبعين ، والمشيئة شاءت الانشقاق تحريكا للصراع ، حتى إذا تحققت الأسماء بمعانيها وفتقتها كشف الروح عن وجوده فإذا هو الحق ، وهو المحرك ، وهو ممثل اسمه تعالى المريد ، ولهذا جاء في الآية أن اللّه يفصل بين الفرق يوم القيامة الذي هو يوم الكشف ، فيمتد بصر العارف فيرى الوحدة في عين التضاد ، ويرى السّلام أصلا للحرب ، وختاما .